مقالات مجد الوطن

التكيف الفكري​​​​​ 

 

✍🏻 حضية خافي
قراءة في كتاب الطريقة الوحيدة لمكافحة العقارب
تقول الكاتبة والفيلسوفة ألايرلندية “أيريس مردوك”: “استمتع بالترجمة، انها كائن يفتح شخص ما فمه لتسمع صوت أخر يصدر منه”. أيضا هناك مقولة جميلة بهذا الخصوص للفيلسوف والمفكر والناقد الأدبي الأمريكي “جورج مستانير” يقول فيها: “لولا الترجمة كنا سنعيش في مناطق يحاذيها الصمت”. الصحافي والروائي الإيطالي “إيتا كالفيتو” يقول ايضًا: “لولا الترجمة لبقيت مقيدًا في حدود بلدي، فالمترجم هو حليفي الأهم لأنه يقدمني إلى العالم”، اغاتا توسزينسكا المؤلفة، والشاعرة البولندية الشهيرة تقول ايضًا: (المترجم هو أكثر قارئ ملاحظ) وأخيرًا يقول “عمارة لخوص” المؤلف الجزائري المعروف: “الترجمة رحلة بحرية من ضفة إلى أخرى”
ذلك يعني بالطبع إن الترجمة بمفهومها الفلسفي هي اعتناق فكري وانتقال عقلي ببعد ثقافي مستنير يأخذك بعيدًا، ليس فقط بمصطلح البعد الفكري المعهود بل البعد الزماني والمكاني والتكويني، لتصبح خلال مطالعتك؛ جزءًا من المكان المراد معرفته، فالترجمة هي تعايش ومسايرة ينقصها فقط انتقال الجسد بمفهومه الحسي لتكتمل، وقد يذهب بعض المترجمين لأبعد من ذلك عندما ينتقل بالفعل بجسده وعقله إلى الموطن الحقيقي للحكاية أو حتى موطن الكاتب نفسه لإكساب ترجمته شيء من الحميمية والواقعية وهو ما يشعر به المتلقي، ذلك لا يعني عدم الإقرار بأن أغلب الترجمات تعتمد فقط على القدرات العقلية العليا عند غوصها في النصوص بهدف استخراج نفائسها وكنوزها، وعلى أية حال يحتاج الناقل الأمين إلى أن يكون جزءًا من الحدث أو النص وهي ما اصطلح على تسميتها “الدمج الفكري بين العقل والجسد” أو “التكوين اللاوعي مع الجسد” ليخضع لتجربة الانسجام التام التي تسقط الواقع المعاش على الخيال وتمزج بينهما مزجًا كاملًا حينها سيكتمل الجمال التكويني مع الإخراج الإبداعي فنجد أنفسنا نعيش النصوص وكأننا نقرأ نصها الأصلي بلغته الأصلية وهو ما أزعم أنني وجدت شيء منه في رائعة “فرنافر ناندوسور ينتينو” المسماة بـ “الطريقة الوحيدة لمكافحة العقارب” التي قام مشكورًا بنقلها إلى العربية كاتبنا المبدع الدكتور عبدالله محمد الطيب.
خلال هذه المجموعة الثمينة نجد تنافسًا قطريًا بين الإنسان والحيوان يظهر الانسجام والتباعد والاختلاف والتطابق بينهما، مزجا بطاقتين سلبية وإيجابية وبأسلوب اعتمد المقارنة بين الحياتين الإنسانية والحيوانية، تضمن ذلك أيضًا طرحًا لأسلوب تعايشي فكري مدمج بحذر شديد، هذا الأسلوب المبتكر يسرد التفكير الحيواني على لسان بشري بطريقة ابداعية وكأنه يحمل ترجمة من نوع آخر تنقل لنا لغة الحيوان المبهمة بلغة بشرية مرمزة حركية متقنة، ذلك يعني بالطبع أننا نقف أمام ترجمة من مستويات متعددة تتخطى الفكر الإنساني إلى الفكر الحيواني وهنا تظهر لنا مرحلة تنافسية عاشها المؤلف نفسه في ترجمته المحفوفة بالمخاطر وهو يكتب لنا نصوصه نقلًا عن صور حيوانية تمر أمامه واعتقد أنه وفق في ذلك أيما توفيق ونقله لنا بأسلوب مميز.
هذه المستويات من الترجمة شعرنا بها في الترجمة المتعلقة بالفكر الإنساني التي يُجسد من خلالها تفاصيل محفوظة في العقل الباطن وتتضمن ايضًا اشارات جسدية تعبر عن بعض الأفكار، كذلك نجدها أيضًا في الترجمة المتعلقة بالفكر الحيوان: يظهر من خلالها التعايش والألفة وهي لغة نقل تصويرية تجسد تكوين خلقي مختلف ببعد أخر وبترجمة يمكن وصفها بالحسية، أيضًا نجدها في ترجمة لفكرة تتعلق بآلية التعايش بين المملكتين الإنسانية والحيوانية وفيها نرى شرحًا موظفًا توظيفًا جيدًا للبيئة التكوينية الفردية أو الجماعية تتعلق بكل كائن على حدة، وأخيرًا تأتي الترجمة من فكر إلى فكر ونعني به التزامن الفكري والتعايش بين هذين الصنفين فقط بالارتباط المعرفي والمداخلة العميقة ما يشي بظهور تفاصيل أدق تأصل لفكرة جديدة كان ينقصها فقط أن تكتب تحت هذا العنوان “الترجمة الفكرية بين الإنسان والحيوان”.
​لعل ما يميز هذه المجموعة عنوانها الملفت والمثير “الطريقة الوحيدة لمكافحة العقارب” وأظنه يدعو كثيرً للتأمل والتفكير العميق وكانت قد استأثرت بهذا العنوان قصة من قصص المجموعة والعنوان بمعناه المعتاد يتحدث عن وسيلة لمكافحة العقارب التي تدرج ضمن شعبة المفصليات في هيكلها التصنيفي وتحديدًا تعد ضمن أهم الكائنات في رتبة العنكبوتيات التي تنتمي بدورها إلى المملكة الحيوانية، تحدث العنوان عن وسيلة وحيدة يمكن من خلالها مكافحة هذه الأفة المميتة بمعنى إبادتها والتخلص منها بشكل نهائي ليتحدث لاحقًا عن صور هذه المكافحة والمقصود من هذه العقارب التي كانت فيما يبدو رمزية تشير إلى الحياة الفردية التي تعيشها العقارب حيث أنها تُمضي معظم حياتها بصورة مستقلة عن باقي جنسها وبعدد قليل من فرص التلاقي حيث يكاد ينحصر اتصالها في مرحلة التزاوج وخلال الفترة الجنينيه والمراحل العمرية المبكرة، أو عند التهامها لبعضها، هذا النوع من التعايش فيه تشبيه بليغ ينقل الصورة التي تعيشها بعض المجتمعات البشرية انطلاقًا من هذه الفكرة، أرادها المؤلف مغلفة بالسلوك الحيواني الذي يفهم ضمنًا امتداده إلى حياة البشر.
كل ذلك عبر عنه غلاف المجموعة صراحة وهو يظهر صورة أقدام العقارب المذكورة نصًا في العنوان وكذلك تستخدم السيميائية اللونية لايصال رسائل ضمنية من خلال توظيفها للون البني واللون الأبيض والأسود وفي ذلك ما له علاقة فيما يبدو بعلم النفس، إذ أن اللون الأسود يرتبط بعدد من الخصائص والرموز المشتركة أو المختلفة، فيما يشير اللون الأسود إلى الشر أو الحزن، وقد يشير أيضًا إلى نوع من أنواع التهديد، وإن كان اللون الأسود يعد مؤشرًا شائعًا للقوة أو السلطة، كما يستخدم ايضًا في الترميز والدلالة على الشخصيات الغامضة التي تلفها الأسرار والألغاز، في وقت نجد اللون البني المعبر عن لون الأرض، والخشب، والحجر، يرمز عادة إلى السعادة والموثوقية والأناقة والأمن والالتئام والوطن، والأسس والاستقرار والدفء والصدق، وهو لون طبيعي محايد يرتبط عادة بمواسم الخريف والشتاء، ويعد من الألوان الدافئة التي تحفز الشهية، وإن كان يمثل ايضًا الصمود والبساطة والود والاعتمادية والصحة، اللون الأبيض ايضًا له دلالته التي ينبغي التوقف عندها فهو يمثّل تعدد الثقافات ويشير صراحة إلى مفهوم النقاء والبراءة، ويعد رمزًا من رموز الضياء.
لعلنا نختم بالعودة إلى قول شائع نقل عن الروائي وكاتب المقالات الاسباني “خافيير مارياس” قال فيه “المترجم كاتب متميز يملك فرصة أن يعيد كتابة الروائع بلغته” ذلك يدعونا للقول أن النصوص الإبداعية حين تترجم إلى لغات أخرى بلغة متقنة تبرز جمالها، ستكون متنفسًا يظهر قيمتها الحقيقية التي قد لا نجدها في اللغة الأم إذ أنها في حالة كهذه تحمل جمال الترجمة وجمال التكيف الفكري،،،،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى