مقالات مجد الوطن

آية وفنار. (قبل الغرق)

 

يعيش البعض حياتهم الدنيا على طريقة فرعون و آله ، غرور و بطش ، شر مطلق ، بطر و ظلم ، غبنٌ و استعباد للآخرين ، أو حتى على نهجه في بعض صور فسقه ، و هذا النهج يجعل الفرد يختال في طرقات الحياة بما لديه من زينة و أموال وربما علم او منصب أو نسب ، أياً كانت المعايير المتوفرة لديه و التي تجعل النفس المريضة تغتر و تنسى يوم الوعيد و بأن الموازين ستنصب و الحسابات ستصفى و العزة ستنقلب ذلاً بين يدي العزيز ملك الملوك .

كثيرٌ تأخذه العزة بالإثم كقصة فرعون ، سبحَ تيهاً في جبروت مملكته و ظنّ أنه خير من باقي البشر بل اعتقد أن الديمومة هي حظه من ذلك البهرج و تلك السطوة ، فطغى و أطغى ، و ظلم و أوغل ، و لم يقف مع نفسه هنيهة ليراجعها و لا سمح لبصيرته مرة ان تتيقظ فتنقذه من غرق محتوم في ثنايا الكفر قبل أمواج البحر و غياهبه ، حتى جاء ذلك اليوم و كما ورد في سورة يونس حيث حاول وجيشه اللحاق بموسى و من آمن معه ، و بإعجاز إلهي ينقلب البحر إلى يابسة فيسير موسى و من معه عليه بأمن و طمأنينة ، و مشى فرعون ذات الطريق بعمى المتكبر الذي يظن أن المعجزات أيضا تشمله ليستفيد منها ، ذاك الكبر الذي يحول اللبيب إلى غبي و العاقل إلى مختل ، فأنى له أن يدرك أن البحر انفلق فقط من أجل موسى و من معه ، و هكذا سار عليه لتأتي اللحظة الحاسمة التي تسقط فيها كامل أقنعة التجبر و الطغيان و ليعود الإنسان الذي شخص العملقة إلى قزم في لحظة الهلاك فيعلن إسلامه و تسليمه للإله الحق ، و لكن هيهات فوقت التوبة قد مضى و أحيط به بالموت و مات غرقاً ، و كان أن شك بعض بني إسرائيل في موته فأمر الله البحر كما جاءت في رواية ابن عباس في تفسير ابن كثير أن يلقيه بجسده صحيحا ، جسدا بلا روح على نجوة من الأرض وهو المكان المرتفع ليتحققوا من هلاكه و هذا يوضح معنى قوله تعالى( فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ) .
هذا الدليل المادي على موته وهلاكه جعله الله آية لمن شكوا و لم يصدقوا ، و ليس بالضرورة أن يكون معنى النجاة هنا للبدن إلى يوم القيامة و لا يفهم منها ذلك وفق ما ذكرت التفاسير لكن وإن حدث و ادعى من ادعى باكتشافهم لجثة فرعون أو وجودها في المتاحف فيستفاد من ذلك بأن في ذلك تصديق تاريخي لما جاء في نص القرآن بشأن فرعون وجسده بعد موته.

هذه الآيات المباركة والقصة المذكورة فيها جعلتني اتنبه لما يلي:
– نحتاج أحياناً إلى تقديم دليل مادي لننهي شك أحدهم و لنحوله من حال عدم التصديق إلى ضده .
– علينا الحذر إن كنا على غير طاعة الله وكانت دروب الحياة كلها ممهدة حتى أن البحر نجده يابسة مما يزيدنا كبرا و علواً فقد تكون النهاية بين طياته .
– لا تيأس و إن وجدت أمواجاً متلاطمة أمامك فالله قادر أن يمهد البحر لتسير عليه فقدرة الله خارج أسوار معايير الطبيعة التي نعايشها فهو الإله من خلق الكون وفق ضوابط و هو من يغير الضوابط كيفما شاء و وقتما يشاء سبحانه .
نسأل الله طريقاً في رضى الرحمن لانخاف غرقاً و لانخشى .. و نفساً ذليلة للرحمن ..
فالعزة لله و لرسوله ولمن آمن وفي طريق الهدى قد مشى .
د. فاطمة عاشور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى