مقالات مجد الوطن

قصة قصيرة مُكافأة نهاية الخدمة

قصة قصيرة

مُكافأة نهاية الخدمة

الجزء(٩)

الكاتبة/ أحلام أحمد بكري

مدينة /جازان

………

(يتعجب الجاحظ في كتابه الحيوان على لسان إبراهيم بن السندي من حرص الزنادقة في عصره على المغالاة بالورق النقي الأبيض وعلى تخيُّر الحبر الأسود المُشرق البرّاق وعلى استجادة الخط والإرغاب لمن يخُط )..

تذكرتُ هذا العجب من الجاحظ عند عجبي من أحد طلبتي بمجرد دخولي الفصل ، ووجدته قد أخذ بعضاً من كتبه وقام بتمزيقها ورميها على الأرض ويشرع بالبقيّة وهو في قمّة غضبه وشدّة حنقه ، فما كان مني إلا الاندفاع تجاهه وسحب بقية الكتب حتى لا يُجهز عليها ، بينما الطلبة انقسموا لقسمين ، البعض خائف وانزوي على نفسه جامداً على كرسيه وطاولته والبقيّة يطلقن ضحكات السخرية وألفاظ الاستهزاء من تصرف زميلهم ..

كالمعتاد يجب أن أصرخ ليهدأ الساخر ويرتدع المستهزء ، جذبتُ الطالب بيدهُ لخارج الفصل لأعلم سبب تصرفهُ ، وخُيّل لي كأن خارج جدران الفصل ( المدينة الفاضلة ) الهادئة التي أبتكرها محمد الفارابي والتي يمكن أن أجد سلام نفسي فيها و أُذوّب جميع مشاكلي بها ..

قلت له بهدوء : ما الذي دفعك لتمزيق كتبك..؟!

وأنت تعلم أنها كتب تحتوي على العلم والمعرفة و المدرسة منحتها لك بشكلها الجميل الفاخر ، وألوان الصور التي بها مُتنوعة وجذابة ، كي تتعلم من خلالها وتحافظ عليها ، لقد كان تصرفٌ سيئاً منك القيام بتمزيقها..!

رد على كلامي وهو يبكي ومازال غاضباً: أنا لا أُريد أن أتعلم بهذه المدرسة..!

قلت له متعجبة : لماذا يا بُني ..!؟

قال : أُريد أن أذهب مع أخي لمدرسته ، ولا أُريد أن أدرس بمدرسة بها فتيات ومعلمات..!

قلت وقد زادت دهشتي: في أي صف أخيك ..؟!

قال: بالصف السادس ويقوم بتدريسه معلمين وبمدرسة كلها أولاد..

استمعتُ له وزادت حيرتي ، متى تكوّنت هذه القناعة لدى هذا الطفل الذي لم يُكمل السابعة ..؟!

وما البيئة التي نشأ بها وجعلته ينحاز بفكره ويرفض هذا الواقع الذي يعيشه ويصل لدرجة الغضب وتمزيق كتبه..؟!

فلو كان يريد أن يكون مع أخيه ، لن يُصرح برفضه التعليم على يد معلمة وبمدرسة تعج بالفتيات ..؟!

وقد أطلق رفضه القاطع ؛ رغم أنه بمرحلة الحضانة والروضة تعلّم على يد معلمات وبمكان مليء بالفتيات..!

.

وبما أنني لا أعرف ملابسات الأسرة التي نشأ بها ، حاولت امتصاص غضبه وتغيير الموضوع ، والرجوع لأساس المشكلة ..

قلتُ له : كل ما قلته لا يعطيك الحق بتمزيق كتبك ، فإذا غضبنا من شيء معين وازعجنا ، يجب أن نتصرف بهدوء ، لا أن نعبث باغراضنا الشخصية وممتلكات الآخرين..

.

وكالمعتاد يجب أن ينتقل هذا الطالب من يدي إلى يد المرشدة الطلابية لتقف على مُلابسات الواقعة وتُكمل اجراءات التعامل مع هذا الطفل ، وأعود أنا لحجرة الصف ، وأفرض سيطرتي مرة أخرى على الطلبة للبدء بدرس اليوم..

.

وما إن دخلتُ الفصل حتى وجدت الطالب -محطلم- يصرخ على اثنين من زملائة بكل صوته ويقول أنا سعود ولستُ -محطلم- لقد غيّرتُ اسمي ، وهم يضحكون عليه ويقولون له أنتَ -محطلم- وستظل بهذا الاسم..

نهرتهم بشدة ، وقلتُ لهم توقفوا عن السخريّة والضحك على زميلكم واتجهتُ للطالب -محطلم- وقلتُ له يابني لماذا أنت غاضب ..؟!

قال لي وعينيه مُمتلئة بالدموع وهو يغالبها كي لا تنهمر ، فقد كان ذو شخصية قويّة ويتسم بالشدة مع زُملائه بالفصل : يا أستاذة قالتْ لي أمي أنها ستغيّر اسمي إلى سعود وأنا فرِح بذلك ولا أريد أحد من زُملائي يُناديني باسمي القديم ، وهم لا يستمعون لي و يستفزونني ..!

.

عندما يكون الطفل ضحيّة خلاف وانفصال الأبوين ، يُصبح الأداة التي يتلاعب بها كل طرف لمحاربة الآخر ، -محطلم- نتاج هذا الواقع التعيس ، سماه والده على اسم جده ، ووالدته تناديه باسم سعود لتُخالف رأي والده ورفضها للاسم الذي تراه لا يتناسب في المعنى مع صغر سن ابنها..

بعد انتهاء الدرس جذبتُ -محطلم- لخارج الفصل وقلتُ له : يابني أنت من تصنع اسمك..!

قال لي كيف يا أستاذة..؟!

قلتُ له: الأخلاق الجميلة والتصرف الحسن هي التي ترسم وتميّز شخصية الانسان وليس اسمه ، الاسم يا بُني مجرد لقب نطلقه على الإنسان لا يُأثر فيه ولا يقدّم ولا يأخّر..

ومن الآن أنت لا محطلم ولا سعود ..!

قال لي مستنكراً : كيف ذلك..؟!

قلتُ له: أنت (قائد الفصل) والمساعد الأساسي فيه أثناء الحصة ، تُرتب معي الفصل وتضبطه وتوزع معي أوراق العمل وتشارك معي في تعليم زملاءك أثناء الدرس ، أنت يا (قائد) ذراعي اليمين داخل الفصل..

هيا (ياقائد الفصل) عُد لفصلك يابطل..

عانقني فرحاً وانطلق راكضاً لفصله..

………..

يُتبع

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى