مقالات مجد الوطن

رحلة

 

محمد الرياني

جاءتْ على عَجَل كما جئتُ أنا؛ لكنني عزمتُ على البقاء ولا أعلم هل عزمتْ هي كما فعلتُ أنا!
كلُّ الوجوهِ تتقلبُ في الأوراقِ وفي لوحاتِ المكان ، بعضُ الأفواهِ تعبثُ بالأظافرِ والوجومُ يخيِّمُ على الوجوه، بينما يطلُّ وجهُها كالقمرِ في السماءِ بلا سحاب ، عندما انطفأ الضوءُ وحلَّ على الغرفةِ الظلامُ أنارَ وجهُها المكان، ارتفع صوتُ أحدهم من روعةِ الضوءِ الذي أفسدَ عليه العتمة، حركتُ عيني نحوه بغضب، قلتُ له : التزم السكوتَ والسكونَ قبل أن يصيرَ القمرُ شمسًا فتحترق، مضت الدقائقُ ووجهي يتأملُ وجهَها وكانت تفعلُ مثلي حتى إذا ما رأتْني أبتسمُ لها خبأتْ وجهَها خلف الأوراقِ التي بين يديها، تركتُها وشأنها واستغنيتُ بأوراقي والتهيتُ أعبثُ بالقلم، بدأتُ أرسمُ على ورقةٍ بيضاء دائرةً تشبهُ وجهَها، وعينين واسعتين بلونِ البحرِ الساحرِ وإن كانت عيناها سوداوين ، القلمُ الأزرقُ بيدي لم يَحد عن زُرقتِه ليكونَ حبرًا أسود ، كانت تنظرُ نحوي بحياء ثم تعودُ وكأنها لم تفعل شيئًا، انتهتْ ساعاتُ اللقاءِ ولم تكتملْ رسمتي لها، التقينا في النهايةِ في ممرِّ الخروج ، أضيئتِ الغرفةُ ولا أعرفُ من الذي غلبَ نورُه نورَ الآخر، ودعتْني وكأنها تعرفني منذُ زمن، طلبتْ مني أن أهديها الورقةَ التي رسمتُ عليها دائرةَ وجهها، سألتُها وهل رأيتها ؟ ابتسمتْ وليتَها لم تبتسمْ، طويتُ الورقةَ وناولتُها لها، طويتُ معها رحلةً لم تشأ لها الظروفُ أن تعيشَ أكثر، نسيتْ كلَّ أوراقِها بالغرفةِ، أرادتْ أن تعودَ إلى مكانِ جلوسِها، سبقوها بإغلاقِ الباب، مسحتْ دمعتَها وغادرتْ بورقتي معها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى