مقالات مجد الوطن

أم حبيبة

 

عادا للتو من النادي؛ حيث يمارسان الرياضة، ليسترخيا في هذا المقهى يلتقطان الأنفاس، ويتجاذبان الأحاديث، ويحتسيان القهوة ، ويستنشقان الحوار العذب، ثم ينطلقان عائدَيْن كلٌّ إلى بيته، لم تتزحزح علاقتهما، ولم يهترئ نسيجها طوال سنين خلت.

لديهما كثير من الكلام ليقولاه، لما بينهما من المشترَكات القوية والصلات الطيبة، فهما أخَوان لم يفرِّق بينهما كرُّ الغداة، ولا مرُّ العشي، لم تغيِّرْهما السنون، ولم تبدلهما الأحداث.

فجأة هبطت عليهما أم حبيبة، لا يعرفانها، ولكنها جاءتهما تتقدمها طفلة في الرابعة من العمر، غضة طرية لطيفة عذبة بريئة، كانت تناديها حبيبة.

اندفعت حبيبة نحوهما، وصَلتْهما أولا ثم تبعتْها أمُّها، سيدة في أوائل الثلاثينات، ذات قامة ممشوقة، لم تتمكن عوادي الزمن من أن تحنيها، يتقدمها وجهٌ، علتْه سحابة حزن من ندوب الدهر، ولكن لم تقدر بصمات الفقر أن تمحو لمحة الجمال الفطري الذي يكسوه.

ألقت حبيبة أمامهما على الطاولة مجموعة من الميداليات اختلطت بفناجيل القهوة، وجاورت قوارير المياه ، استهوتهما براءة الطفلة فداعباها ، ولاطفاها، وعبرها كانا يداعبان ويلاطفان أمها، فجمالها الفطري لم تقع أعينهما عليه من قبل ، وجهٌ خلا من المكملات الجمالية من مساحيق وغيرها ،جاءتهما به كما هو، خرجت به للشارع كما هو، لم تعبث به رغبةً في تزيينه، ولا بحثا عن تجميله، فهو هو، وحالها:
حُسنُ الحضارة مجلوبٌ بتطريةٍ وفي البداوة حسنٌ غير مجلوب

 

بالله عليكم دي حبيبة بنتي، شايفاكم حبيتوها، ما تكسفوها
قالتها – بصوت يقتحم شغاف القلب – وهي تنكس رأسها، وتخفض معه وجهها الجميل.

كانت حبيبة وأمها يتجولان في الطرقات؛ بحثا عن رزق، يأتيهما من رواد المقاهي، والمتسكعين على الأرصفة، والجالسين على المطاعم.

تنثر حبيبة الميداليات، فيعطيها مَن يعطيها، وهم قلة، ويردها مَن يردها، وهم كثر، قد يأخذ مَن يعطيها ميدالية مقابل ما أعطى، وقد يمنح دون أن يأخذ.

لم يقدرا على صد براءة حبيبة، ولا على رد جمال أمها، فمنحَا دون أن يأخذا.

غادرت حبيبة وأمها سريعا، كطيف سماوي ألمَّ بهما لحظاتٍ، فغيَّر وجه الدنيا.
غشت الرجلين لحظاتُ صمتٍ، بعد مغادرة حبيبة وأمها، لكنها لم تكن صمتا إلا في الظاهر، لأنَّ الدواخل كانت تعج وتصطخب.
هبطت عليهما نسمات باردة، أزاحت قدرا من حرارة الجو، ولطَّفت المكان، وعبَّقت الزمان.

-ما بك؟
-أم حبيبة.
-وأنا كذلك.

نهضا معا دون اتفاق، وهاما في الطرقات المجاورة؛ طمعا في نظرة أخرى، تعيد التوازن إلى نفسيهما، وترتب الدواخل المبعثرة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
طارق يسن الطاهر
Tyaa67@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى