
فاطمه بكري
جازان_ العارضة ،
في الحياة، نواجه العديد من المواقف والأحداث التي قد تثير مشاعرنا وتزعزع هدوءنا. هناك لحظات تتطلب منا الرد الفوري والمشاركة في النقاشات أو الصراعات، ولكن في كثير من الأحيان، تكون أفضل ردود الفعل هي عدم الرد. “أكرم نفسك بالتغاضي، تجوَّد عليك بالتعافي” هي دعوة عميقة للاستماع إلى روحنا، والاختيار الواعي للصمت والتسامح في وقت الحاجة، بدلًا من الانخراط في أحداث قد تؤذي مشاعرنا أو تزعزع استقرارنا الداخلي.
التغاضي ليس ضعفًا أو هروبًا من مواجهة الحقيقة، بل هو قوة حقيقية نكتسبها عندما نقرر أن نُحسن إدارة ردود أفعالنا. الحياة مليئة بالضغوط والتحديات، وكل يوم يحمل في طياته فرصًا جديدة للغضب أو الندم. لكننا نحتاج إلى أن نتذكر أن ليس كل حدث يستحق أن نوليه انتباهنا. في بعض الأحيان، يكون التغاضي عن المواقف السلبية هو الخيار الأنسب، لأننا بذلك نمنح أنفسنا فرصة للتعافي، ونعيد ترتيب أولوياتنا دون أن نسمح لتلك الأحداث الصغيرة أن تؤثر على سلامنا الداخلي.
التغاضي لا يعني التغافل عن الحقوق أو السكوت على الظلم، بل هو اختياري واعٍ للتعامل مع المواقف بحكمة. أحيانًا، لا يستحق الأمر منا أن نجرح أنفسنا بالرد على كل كلمة أو موقف جارح. عندما نتغاضى عن بعض الأشياء، فإننا نحرر أنفسنا من الطاقة السلبية التي قد تستهلكنا. نمنح أنفسنا فرصة للتركيز على ما هو مهم: سلامتنا النفسية، وعلاقاتنا الصحية، وأهدافنا في الحياة.
ما أكثر الأحيان التي نجد فيها أنفسنا محاصرين بمواقف لا تُستحق أن نُبذل من أجلها جهدًا أو مشاعر. ففي تلك اللحظات التي يكون فيها الجرح عميقًا أو الكلام جارحًا، يكون الخيار الأفضل هو التغاضي. التغاضي يمنحنا السلام، ويجعلنا نبتعد عن دائرة الألم التي يمكن أن نستمر في الدوران فيها لو استمررنا في الانشغال بما لا يفيد. بهذا الفعل، نسمح لأنفسنا بالشفاء، ونمنحها الفرصة للنمو بعيدًا عن العواصف التي قد تعترض طريقنا.
تعلم التغاضي لا يعني أن نكون سلبيين أو أن نختار الهروب، بل هو اختيار واعٍ أن نسمح لأنفسنا بالسلام الداخلي، لأننا في النهاية نعلم أن الأحداث التي تمر بنا ليست سوى لحظات عابرة، وأن القدرة على التغاضي هي التي ستمنحنا القوة للاستمرار بثقة وهدوء في حياتنا.
كما أن التسامح مع الآخرين يساهم في تعافي الروح، فإن التسامح مع أنفسنا والتغاضي عن أخطائنا وعيوبنا يمكن أن يكون بداية لرحلة الشفاء الشخصي. بقدر ما نعلم أن الحياة ليست دائمًا عادلة أو هادئة، نجد أن التغاضي عن الصغائر والتعاطي بحكمة مع التحديات يمكن أن يجعل الحياة أكثر إشراقًا وسلامًا.
في النهاية، التغاضي هو ليس فقط وسيلة للتعافي، بل هو رسالة إلى أنفسنا بأننا أكثر قوة من أن نتأثر بكل شيء حولنا. هو دعوة لتحرير أرواحنا من عبء الغضب والندم، ليبقى لدينا الفضاء الكافي للتعافي والنمو في بيئة من السلام الداخلي.