مقالات مجد الوطن

اللقاء الصامت

 

مازلت أنتظر على طاولتي القديمة
التي تتثاءب من نعاس الإنتظار
في ذلك المقهى القديم
فوق هضبة البرتقال
هاهي تعدو نحوي
بخطوات ثقال كالدب الأسترالي …

بعد انتظار دام أربع ساعات
أربع ساعات كافية
كي تهاجر الأوز
إلى بحيرة بايكال
الهادئة و الملتحفة
بشذرات اللحاف اﻷبيض المتراكم
سحبت لها الكرسي النائم الملتحم
بصدأ مسامير الحافة الخشبية
فأيقظت ديدان القز الصغيرة المختبئة
في ثمرات التوت الحمراء
المغطاة بنسيج الحرير الناعم
ابتسمت كعادتها ابتسامة الثلج
فابتسمت لها ابتسامة العشب والبراعم
حين تبلله قطرات و قرارات الربيع
وكعادتها …
أخرجت منديلها الورقي المعطر
لتمسح بلاطة الكرسي البليدة
والملبَّدةَ بالندى المتراكم كحبات الرمان
فهب العبير الفارسي
الذي أقلق سيقان الورد
وأزعج خنافس الفسيفاء
وهاهو الصمت يخيم المكان
ويمتد إلى الرصيف البعيد

وفجأة …..
كُحّةٌ صغيرة مختنقة
تخرج من حلقها البلوري
كادت أن تعاقب الصمت بأسواط الخيزران
وفي لمحة البصر تتدلى
يدها الباردة
لتدفع بقبضتها على فمها لتمنع هجمة مرتدة
إلى رئتها اليسرى
لتقول في هدوء :
” آسفة ” ….
فارتفعت ستائر الخجل قليلا
وتباعدت أجفان العصافير حيث عادت لتلتقي
تنَحنَحتُ قليلاً ﻷقتل الصمت بحروف لايفهمها الجدار
والنادل وذلك الدلو البلاستيكي اﻷزرق
فأخذتُ نفساً عميقاً
من سيجارتي البلهاء
ليتطاير النيكوتين
بأذرع الأرواح الشريرة
ليبوِّغَ مختنقاً كل فقاعات العطر
سألتها :
هل وجهي وقوامي يهوسان النساء ؟؟؟؟؟
فرفعت رأسها وتسللت
من عينيها نظرة الذهول
وابتسامة الإنكار
ثم استعادت نظراتها بسرعة لتخترق
ابتسامة الأفق الساخرة وقهقهة الحلزون
التي كسرت الهدوء
مدت يدها لمحفظتها البيضاء
ذات السلسلة الثعبانيةالملتفة
حول يدها النائمة المصير
من دون أن تسحب السحَّاب الغاضب أحيانا
والمُذهَل الساخر من غباء السؤال
ومضت عشر دقائق
أوقفت دوامة الزمن
وعقارب الساعة عشرين سنة
لينبت الشعر اﻷبيض
في كل جذوع الشجر الخالد
فأخذتني تنهيدة المغادرة
التي تنهي كل شيئ
وتختم اللامبالاة
و من دون مقدمات … وقيود
فصمتك وترددك في اﻹجابة
كفاية ياسيدتي ….
بأنني الأحمقُ ذو التشكيلية الغير مرغوبة
فأخذت علبة سيجارتي شبه الفارغة
أفتّشُ في أعواد الثقاب
التي تتساقط
فتموت وتتصارع واحداً
تلو اﻵخر
متناثرة تحت قدمي اليمنى الذي ينام دافئاً داخل جزمتي البالية الجلد
وبينما أنا أسحب ذلك الكرسي  السحبة الرجعية الأولى
التي تأباها الكراسي وترفضها اﻷصابع المتثاقلة
زحفت رقائق الحلوى الخمس نحو يدي
لتنتشر شحنات الدفء
في كل شراييني
وتتطاير شرارات الكهرباء واﻹنتعاش
في أقدام الطاولة والحلزون والرصيف
لتنتعش خلايا جسدي
من جديد
بصرعة مزدوجة من الحب والمغناطيس

قالت :
والحروف الخافتة تأبى
متعة اﻹستماع
(لولا بريق غامض في عينيك
ماتحركت قدماي تشاجر قسوة الشتاء
وعيناي تتعاركان مع لذة النعاس ولهفة اللقاء )
فانسحبَتْ كل أرجل الرصيف والخشب
وتمدّدتْ كل تقوّسات القطط الكسولة
وتفرّقتْ ركامات الندى
للتطاير كفرقعات الصابون المظللة بشفافية الطيف
ومن جديد  ….
اشتبكت أصابع الحلوى
مع تخلخلات البرد
لنسير معاً
والظلام يبتسم هناك حيث لاندري ……
………………………………..
أبو حليم …….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى