مقالات مجد الوطن

بين السطور: عندما يعبق البوح بعطر الحروف

 

فاطمه بكري

جازان _ العارضة

 

كما أن للعطور أثرًا خفيًا يترك بصمة في الروح، كذلك هناك سطور تملك القدرة على الوصول إلى أعمق نقطة في القلب، تأخذك معها إلى عوالم من المشاعر التي لا يمكن للكلمات العادية أن تعبر عنها. كعطرٍ مُعتَّقٍ صُنع بعناية، هناك بعض السطور التي تستحوذ على مكامن النبض والشعور، تحرك داخلك أفكارًا ومشاعر كنت قد دفنتها في الأعماق، وتعيدك إلى لحظات كانت تبدو ضبابية، ولكنها تصبح الآن أكثر وضوحًا.

 

هذه السطور لا تشبه غيرها، فهي تحمل في طياتها سرًا غامضًا، تنساب بين الحروف كالعطر النفاذ، يأسر حواسنا ويترك أثراً طيبًا لا يمكن للزمن أن يمحوه. هناك كلمات يكتبها القلب قبل اليد، تكون أشبه بموسيقى داخلية تردد صدى الأحاسيس المتراكمة، تحمل معها عبيرًا من الماضي والحاضر، تنطق بما لا يستطيع الإنسان أن يقوله شفهياً. هي الكلمات التي تخترق الزمن، فتستقر في الذاكرة، وتظل تردّد في القلب مهما مرت السنوات.

 

لكن في المقابل، ثمة سطور أخرى، غليظةُ البوح، التي تميل إلى أن تكون أقوى، وأكثر حدة. هذه السطور قد تكون قاسية في أثرها، تحمل ألمًا مكتومًا، وتخلّف وراءها فراغًا أكثر من المعنى نفسه. قد تشعر وكأنها نفضت من حولها الحروف والمحابر، لأنها تخلّت عن الزخرفة، وأصبحت مباشرة بلا تزيين، تفضح ما كان خفيًا في القلوب. قد تكون مؤلمة أو موجعة، لكنها تترك انطباعًا عميقًا، مثل جرح يوشم في الذاكرة، لا يمكن نسيانه بسهولة.

 

بين السطور الرقيقة الغنية بالمشاعر والذكريات، وتلك السطور الغليظة التي تفضح الجروح والآلام، يكمن سر الكتابة الحقيقية. الكتابة التي تخترق الأعماق، التي تجد لنفسها مكانًا في روح القارئ، سواء كانت كلمات مليئة بالحنين والجمال أو كلمات قاسية تكشف عن الحقيقة. الكتابة لا تكون أبدًا مجرد كلمات على ورق، بل هي رسالة عميقة تستدعي منا التفكير والشعور. إنها وسيلة للتواصل مع الذات أولًا ومع الآخرين ثانيًا.

 

في النهاية، السطور ليست مجرد تركيبات من الحروف، بل هي أدوات تملك القدرة على التأثير العميق في النفس. بعضها يأتي كالعطر المعتق الذي يترك أثراً لطيفاً، وبعضها يأتي كالريح العاتية التي تكشف كل ما كان مخفيًا. وكل سطر من تلك السطور يتطلب منا أن نكون مستعدين لاستقبال معانيه، سواء كانت جميلة أم قاسية، لأن في كل حرف توجد تجربة، وفي كل كلمة قصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى