
فاطمه بكري
جازان _ العارضة
في زخم الحياة اليومية، وسط الضجيج والصخب، نتجاهل في كثير من الأحيان قوة الصمت. الجميع يركض وراء الكلمات، يصرخ في المحافل، و يحاول إقناع الآخرين بأن صوته هو الأوضح والأقوى. لكننا ننسى أن الصمت ليس مجرد غياب للكلام، بل هو لغة تتحدث بها الأرواح، وتعبّر بها عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تفي بها حقها.
الصمت ليس دائمًا دليلًا على العجز أو الخوف، بل هو أحيانًا أصدق من الكلمات. في صمتك، تكمن الحكمة التي لا تحتاج إلى التصريح بها، تكمن الراحة التي لا تُسمع إلا من خلال اللحظات الهادئة التي تمنحها لنفسك. إن الصمت هو مساحة تنسحب فيها من ضجيج العالم لتكون مع نفسك، لتستمع إلى أفكارك، ولتُعيد التوازن إلى روحك التي تمزقها الحياة أحيانًا.
قد يعتقد البعض أن الصمت علامة على اللامبالاة أو الفتور، ولكن الحقيقة أن هناك أشياء في الحياة تستحق أن تُقال بالصمت، فبعض المشاعر لا يمكن أن تُترجم بالكلمات. الصمت هو اللحظة التي نحتاجها لتتداخل مشاعرنا، لتُفكر عقولنا في القرارات الهامة، ولتُجدد قلوبنا التي قد تكون قد تعبّت من السعي وراء الأحاديث والمناقشات التي لا تنتهي.
عندما نجد أنفسنا في مواقف صعبة، نلجأ أحيانًا إلى الصمت أكثر من الكلمات. نجد في صمتنا نوعًا من القوة والاتزان، نوعًا من التقدير لذاتنا، حيث أن الكلمات أحيانًا قد تخرج بأثر عكسي إذا لم تكن مختارة بعناية. في الصمت، نمنح أنفسنا الفرصة للتفكير، لإعادة ترتيب أفكارنا، وللتأكد من أن ما نقوله يحمل في طياته المعنى الصحيح.
وفي العلاقات، غالبًا ما يُفهم الصمت بشكل خاطئ. نعتقد أنه يمكن أن يشير إلى الغضب أو التباعد، ولكن في الواقع، هناك أوقات يكون فيها الصمت هو أبلغ وسيلة للتعبير عن الحب والاحترام. في بعض الأحيان، لا يحتاج الشخص الآخر إلى سماع كلماتنا ليشعر بأننا معه. يكفيه أن يشعر بوجودنا، بكامل انتباهنا، وفي هذه اللحظات، يكون الصمت أعمق من أي حديث.
إن قوة الصمت تكمن في عمقه وقدرته على التواصل بأكثر الطرق أصالة. هو ليست فوضى أو عدم قدرة على التعبير، بل هو حالة من السلام الداخلي الذي يمكن أن ينقلك إلى عوالم أعمق. فعندما نتوقف عن الحديث، نسمح لأنفسنا بأن نكون أكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على فهم مشاعرنا ومشاعر من حولنا.
الصمت ليس غيابًا، بل هو حالة من الوجود العميق، هو لحظة تكون فيها كل الحواس مشغولة بالإحساس أكثر مما هي مشغولة بالكلام. وفي تلك اللحظات، نجد أن الحياة تصبح أكثر وضوحًا، أكثر هدوءًا، وأكثر اتصالًا بأنفسنا وبالعالم من حولنا.