
فاطمه بكري
جازان _ العارضة .
في الزمان الذي مضى، ثمة أماكن في الذاكرة لا نجرؤ على الاقتراب منها، لأنها مليئة بذكرياتنا، التي كانت مرة وحلوة في آن واحد. تلك اللحظات التي قاسينا فيها الألم والخذلان، والأوقات التي كانت الأماني فيها بعيدة عن متناول اليد، تظل محفورة في داخلنا، مهما مر الزمن. “ممددة على ركن الذكريات”، هذا هو حالنا جميعًا في لحظات التأمل، حين نغرق في الذاكرة التي أصبحت بمثابة وعاء يحمل كل ما مررنا به من تجارب، سواء كانت مريرة أو جميلة.
الذكريات ليست مجرد مشهد عابر في ذهننا، بل هي كائن حي، يعيد إنتاج مشاعرنا وأحاسيسنا في كل مرة نحاول أن نتذكر. هي المحاليل التي تُصب في أوردتنا، كما لو أن الزمن لا يمر، وأن الجروح القديمة تُنبش من جديد وتُسحب إليها كل شظايا الألم.
الألم في ذاكرة الجسد
“تُصب في أوردتي محاليل أحداث مضت”، هذه العبارة تحمل في طياتها معانٍ عميقة تتعلق بعلاقة الجسم بالذاكرة. فكل خلية في جسدنا تتذكر، وكل شريان ينبض يحمل معه تلك الذكريات، ويعيد الحياة إليها في لحظات التأمل والانعزال. الألم الذي نتعرض له في حياتنا لا يمر فقط عبر الذاكرة الذهنية، بل يترسخ في خلايانا. نحن لا نتذكر فقط الأحداث، بل نتذكر أيضًا كيف شعرنا في تلك اللحظات، كيف كان الألم يتسرب من بين أصابعنا ويجثم في صدورنا.
الألم ليس مجرد شعور عابر، بل هو جزء من تكويننا النفسي والجسدي. هو النهر الذي يجري في أعماقنا ويترك أثره في كل جزء من كياننا. ومع مرور الوقت، قد يتغير شكله، لكنّه لا يختفي أبدًا. قد يبدو لنا أحيانًا أن الذكريات قد تصبح أخف، لكن الحقيقة أن كل حدث سابق يظل عالقًا في أعماقنا، كالماء الذي لا يمكنه أن يبتعد عن حواف الصخور التي ترسخت فيها قطراته.
الشفاء في مواجهة الألم
ولكن، ماذا لو نظرنا إلى الألم بشكل مختلف؟ ماذا لو توقفنا عن كره الذكريات المؤلمة، وبدأنا في تقبلها كما هي؟ إنها ليست تلك الذكريات التي تعيد لنا الألم فقط، بل هي أيضًا ما جعلنا ما نحن عليه اليوم. في كل لحظة مررنا فيها بالحزن والخوف، تعلمنا شيئًا جديدًا عن أنفسنا وعن الحياة. نحن نكتسب من خلالها القوة والقدرة على النهوض من جديد.
قد لا نستطيع تغيير الماضي، ولكننا نستطيع أن نغير كيفية تفاعلاتنا معه. قد تكون الذكريات المؤلمة جزءًا من حياتنا، لكنها ليست كل شيء. نحن من نقرر ما إذا كنا سنبقى أسرى لتلك اللحظات أو سنخطو نحو غدٍ أفضل.
الزمن الذي يشفي
الزمن لا ينسينا الذكريات، بل يعطينا الفرصة لننظر إليها من منظور مختلف. فهو ليس فقط جسرًا يمر بنا نحو المستقبل، بل هو الطبيب الذي يعالج جروحنا دون أن نشعر. مع مرور الوقت، تبدأ الذكريات التي كانت في يوم ما تثير الألم في أن تصبح مجرد فصول في حياتنا، تذكرنا بما مررنا به، ولكن دون أن تحمل نفس الشدة أو الحدة. حين نسمح لأنفسنا بأن نعيش بسلام مع هذه الذكريات، حين نحتضنها كما هي ونتعلم منها، نصبح أقوى وأكثر قدرة على المضي قدمًا.
الخاتمة: الذكريات بين الألم والوعي
في النهاية، كل لحظة عشناها، وكل تجربة مررنا بها، هي جزء من قصتنا التي لا يمكن أن تُمحى. “ممددة على ركن الذكريات” قد يبدو كما لو أنه مجرد لحظة عابرة، لكن الحقيقة أن الذكريات هي التي تُشكلنا، وتمنحنا المعنى في هذه الحياة. لا يمكننا الهروب من الماضي، لكننا نستطيع أن نصنع سلامًا داخليًا في كيفية التعامل معه. عندما نتقبل الذكريات كما هي، ونتعلم منها، تصبح جزءًا من قوتنا، جزءًا من حياتنا التي نعيشها بأمل واستمرار.